السيد محمد الحسيني الشيرازي
79
الفقه ، السلم والسلام
جوفها لأهل هذه الصحيفة ، وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم » إلى آخر الصحيفة « 1 » . والظاهر منها أن اليهود أصبحوا مع المسلمين في المدينة المنورة كأمة واحدة فأراد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعل العيش المشترك على أرض المدينة المنورة محمياً من أي تصدع واختلاف ، فألزم الجميع بتلك الوثيقة الواحدة وبالعيش المشترك على أرض المدينة التي كان يسكنها المسلمون وغير المسلمين . . والحديث وإن كان يخصُّ اليهود لكن من الواضح أنه لا خصوصية لليهود ، فإن أهل الكتاب كلهم بمنزلة واحدة كما قال الفقهاء : الكفر كله ملة واحدة ، بل وكذلك حال المشركين من غير أهل الكتاب كما أشرنا إلى ذلك في بعض كتبنا ، فإن أغلب البلاد التي فتحت كان فيها المشركون إلى أيام أمير المؤمنين علي عليه السلام مما نجده في التواريخ ، وفي نهج البلاغة كلام للإمام عليه السلام إلى عامل من عماله يدل على أنه كان هناك مشركون تحت حكم الإمام وأنهم كانوا يعيشون بسلام . وفي التاريخ أن ابن عباس كان مجاوراً ليهودي وكان يهتم بالإحسان إليه كما كان يهتم بسواه مراعاة لحرمة الجوار ، فالقريب له حرمة ، والجار له حرمة ، والزوجان لهما حرمتهما ، والصديق له حرمة ، وإن كان أحدهما مسلماً والآخر غير مسلم ، فإن الإسلام يحث على مكارم الأخلاق وإعطاء الحقوق ورعاية الآخرين سواء كان مسلما أو غير مسلم ، فهم كلهم في نظره سواء . في التاريخ : إن غلاماً لابن عباس ذبح شاة فقال له ابن عباس : إذا سلخت فابدأ بجارنا اليهودي ، ثمّ كررها حتى قال له الغلام : كم تقول هذا ؟ فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « ما زال جبرئيل عليه السلام يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه » « 2 » . وقد حرَّض الإسلام على زيارتهم وعيادة مرضاهم وتقديم الهدايا لهم ومبادرتهم البيع والشراء وسائر المعاملات ، وهكذا عمل المسلمون طوال التاريخ
--> ( 1 ) الصحيفة طويلة تجدها كاملة في بحار الأنوار : ج 19 ص 168 . ( 2 ) من لا يحضره الفقيه : ج 1 ص 52 ح 108 .